أخر الاخبار

تحقيق : وزارة الداخلية و تفكيك لغز الأمن الموازي الموالي لحركة النهضة

مصادر أمنية مطلعة خيرت عدم الافصاح عن اسمائها هي صاحبة المعلومات التي سيتم التعرض اليها في هذا المقال و التي تمكنت من مطابقة مختلف رواياتها و سردها تباعا


تفيد المصادر بأنه مع تعيين علي العريض على رأس وزارة الداخلية مسنودا بمجموعة من القيادات النهضاوية على حد تعبيره و التي شكٌلت ما اصطلح على تسميته بالأمن الموازي و التي تضم كل من : الطاهر بوبحري، فتحي البلدي، أسامة بوثلجة (الذي واصل نفس المهام بعد تحول العريض الى رئاسة الحكومة في القصبة)، فتحي الحيدوري و عبد الكريم العبيدي، اللذين أوكلت لهم مهمة اختراق المؤسسة الأمنية و التغلغل بمفاصل الوزارة تحت إشراف مباشر للقياديين النهضاويين السيد الفرجاني عضو مجلس الشورى في حركة النهضة و زبير الشهودي رئيس المكتب الشخصي لراشد الغنوشي و المكلف بالملف الأمني بحركة النهضة انطلاقا من مونبليزير على حد تعبير المصدر. و قد تم ذلك في ظل صمت القيادات الأمنية العليا التي خذلت قواعدها
و خيٌرت الانصهار في خيارات حركة النهضة للانتفاع بما أغرقت فيه من امتيازات مادية على أن تكون اليد التي تضرب بها النهضة كل أمني لا ينصهر في استراتيجيتها، فتعددت المظالم الإدارية التي مست مئات الأمنيين من مختلف الرتب
و الاختصاصات و أضحت وعود التسميات بالمناصب الإدارية و النقل و الإعفاءات و الإحالة على العدالة أو التقاعد الوجوبي... من وسائل الترهيب التي تستعمل للضغط على الأمنيين و تطويعهم أو التشفي منهم إذا ما تعنتوا في عدم الإذعان لخيارات الحركة.

و نجحت بذلك الحركة في التغلغل بوزارة الداخلية و في وضع رجالاتها بكل الهياكل و المناصب الحساسة بالمؤسسة الأمنية
.
و تؤكد المصادر أنه في الوقت الذي كان فيه الأمنيون و نقاباتهم و أغلب مكونات المجتمع يجمعون على أن الأداء الأمني بعيد عن الحد الأدنى المسموح به و أن الوزارة حادت بشكل واضح عن دورها المأمول بعد الثورة و يدعونها بصوت مرتفع إلى مراجعة خياراتها، واصلت حركة النهضة في سياسة الهروب الى الأمام و تكريس جهودها الرامية إلى إحداث القطيعة بين المؤسسة الأمنية و المجتمع لضمان عدم اصطفافها إلى جانب الشعب في صورة احتداد الأزمة السياسية و الأمنية بالبلاد

و واصلت حركة النهضة الاعتماد على نفس القيادات لمزيد توريطها في أجنداتها السياسية و تحميلها مسؤولية إخفاقات جديدة إلى حين الحسم في أمرها بعد انتهاء المرحلة التي ستحدد حركة النهضة لاحقا ملامحها و توقيتها، فكلما تراكمت الأخطاء و احتدت الأزمة سواء خلال فترة الوزير علي العريض أو الوزير لطفي بن جدو تقوم بتسمية قيادة أمنية قديمة جديدة تتم مساومتها و توظيفها لصالحها باستغلال ماضيها و ارتباطها بمنظومة الفساد الإداري و المالي و الأخلاقي زمن بن علي، لتحمٌلها اثر ذلك  مسؤولية سلسلة من الإخفاقات و الجرائم الجديدة في حق الشعب التونسي كما أفاد بذلك المصدر لتنتهي المرحلة بتنصيب قيادات أخرى بنفس الطريقة وتأمل في كل مرة حركة النهضة في تلميع صورتها و النأي بنفسها عن الأزمات المتتالية التي تتخبٌط فيها
كما أوضحت المصادر أن المؤسسة الأمنية مرت منذ تنصيب حركة النهضةعلى رأس السلطة السياسية بالبلاد بثلاث مراحل رئيسية في تنفيذ إستراتيجيتها :

المرحلة الأولى: انطلقت بعد تاريخ 23 أكتوبر و نفٌذها بنجاح نبيل عبيد المدير العام للأمن الوطني و توفيق الديماسي المدير العام للأمن العمومي السابقين الذي استغلتهما النهضة لمعرفة دواليب الوزارة و تسهيل إعادة إدماج النهضاويين المعزولين و الأمنيين الذين تعلقت بهم قضايا عدلية زمن النظام السابق و تسوية وضعيتهم المهنية و في مقدمتهم فتحي البلدي و عبد الكريم العبيدي الذين تمت ترقيتهما بصفة استثنائية في مناسبتين متتاليتين و هو اجراء يخص الأمنيين  الذين قدٌموا خدمات جليلة للوطن و هو ما لا ينطبق على المعنيين لا قبل الثورة و لا بعدها و بالتالي فهو إجراء مخالف للقانون.
و تقرٌ المصادر بأن نبيل عبيد تواطأ مع علي العريض لضرب النقابات الأمنية الناشئة و إزاحة قيادات أمنية بهدف فسح المجال لمنتسبي النهضة و من نجحت في استقطابهم من الأمنيين للارتقاء الى أعلى المناصب الأمنية دون مراعاة أدني معايير الكفاءة و التجربة المهنية. و حسب المصدر، فإن هذه التسميات كانت منطلقا لسلسة من الإخفاقات الأمنية و فشل الوحدات الأمنية في التصدي للظواهر المخالفة للقانون و التي من أهمها ارتفاع منسوب ظاهرة العنف الصادر عن تنظيم أنصار الشريعة و روابط حماية الثورة و ميليشيات حركة النهضة و التي انطلقت مند أحداث العبدلية فأحداث 9 أفريل وصولا الى أحداث السفارة الأمريكية و السماح لمتزعم التيار السلفي الجهادي سيف الله بن حسين بمغادرة جامع الفتح أمام أعين البوليس المقهور. و يضيف المصدر أن هذه الإخفاقات و لئن تعكس في جانب منها قرارات وخيارات سياسية معلومة، فإن السيد نبيل عبيد يتحمل في جانب آخر منها مسؤولية مسايرته لها و عدم اتخاذه قرارا شجاعا بالتمسٌك بتطبيق القانون و عدم فسح المجال للقرار السياسي أن يتدخل في القرار الأمني و أن يعلو عليه مما كان سيغيٌر حتما مجرى الأحداث بالبلاد و يجنبها موجة الإرهاب و الاغتيالات التي تعيشها اليوم.
و بعد صمته على مختلف الأحداث التي جدت و هو المسؤول الأول عن الأمن الوطني تمت إقالة السيد نبيل عبيد و تحميله وفق استراتيجية النهضة الأمنية مسؤولية هذه الأحداث و إسكاته بتسميته مستشارا ديبلوماسيا لدى الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب بمرتب شهري يناهز ال15 ألف دولار و إقامة دائمة بين تونس و المملكة العربية السعودية.

 المرحلة الثانية: مرحلة قصيرة انطلقت مع تعيين عبد الحميد البوزيدي مديرا عاما للأمن الوطني بعد أن لجأ إليه رئيس الحكومة السابق حمادي الجبالي للإبقاء على نفوذه على الوزارة، غير أن القيادات الأمنية المنصبٌة من قبل الشقٌ المهيمن بالنهضة و في مقدمتها وحيد التوجاني المدير العام للأمن العمومي و محرز الزواري المدير العام للمصالح المختصة و عماد بوعون المدير العام للمصالح الفنية و عماد الغضباني المدير العام لوحدات التدخل و رياض باللطيف المدير العام للتكوين... بقيت تنسٌق مباشرة مع وزير الداخلية على العريض و أبقت على البوزيدي في عزلة، و هو ما أدخل حسب ما أكدته المصادر  ارباكا على الأداء الأمني بحكم أن تغييب المدير العام للأمن الوطني عن أهم المسائل الأمنية لا يمكن الا أن يؤدي الى عواقب وخيمة كانت احدى نتائجها بروز الأمن الموازي و اغتيال الشهيد شكري بلعيد. و مع استقالة حكومة الجبالي، لم يعمٌر البوزيدي طويلا و تمت إقالته للتخفيف من حدة الانتقادات التي وجهت لوزارة الداخلية حينها.

 المرحلة الثالثة: انطلقت حسب ما تؤكده المصادر مع تعيينات جديدة بوزارة الداخلية تكرٌس مبدأ اختيار قيادات أمنية ضالعة في الفساد المالي و الإداري بهدف استغلال نقاط ضعفها كورقة ضغط لتطويعهم و ضمان ولائهم و التستر على الخروقات و التجاوزات, و توظيفهم كبيادق لاستكمال احتواء وزارة الداخلية نهائيا عبر تعيين اخطبوط من القيادات الأمنية الموالية لحركة النهضة و اختراق القواعد الأمنية عبر إعطاء الأولوية في الانتدابات للموالين و المتعاطفين مع التيار الديني. و هذه التعيينات تخص كل من:


 محرز الزواري : والذي تمت ترقيته في أقل من سنة من مكلف بالشؤون الادارية بإحدى المدارس.الأمنية الى المدير العام للمصالح المختصة

وحيد التوجاني : تمت ترقيته في أقل من سنة من مكلف بالتنسيق العدلي بصفاقس الى مدير اقليم أمن مدنين فمدير عام للأمن العمومي ثم مديرا عاما للأمن الوطني 

سيف الدين باللطيف : ابن خال سيف الله بن حسين (أبو عياض) و هو يجسٌد لوحده المفارقات العجيبة لحركة النهضة فهي تقيل رياض باللطيف المدير العام للتكوين بناءا على علاقة القرابة التي تجمعه بسيف الله بن حسين، و تبقي على سيف الله باللطيف الذي تولت فيما بعد ترقيته في لمح البصر من مجرد رئيس مصلحة بالتفقدية العامة للأمن الوطني الى مدير اقليم قفصة و في أقل من 3 أشهر متفقدا عاما للأمن الوطني برتبة مدير عام و ها هي اليوم تستعد لتعيينه مديرا عاما للأمن العمومي خلفا لمصطفى بن عمر الذي تسعى القيادة النهضوية الى تحميله مسؤولية التواطؤ في موضوع اغتيال الشهيد محمد البراهمي على حد تعبير المصدر.

 مصطفى بن عمر:  تمت ترقيته في أقل من 4 أشهر من رئيس المصلحةالمختصة ببن عروس الى مدير اقليم قرطاج فمدير عام للأمن العمومي رغم ما عرف به من فساد مالي و اداري حسب ما صرح به المصدر لتتعلق به في بداية سنة 2012 القضية التحقيقية عدد  25333/12 و التي تقدمت بها عناصر نهضاوية ضده  من أجل التعذيب، تم على إثرها مباشرة ترقيته إلى مدير امن قرطاج و من ثم ترقيته بعد أقل من شهرين إلى مدير عام للأمن العمومي .

عماد بوعون : و هو حسب ما صرح به مصدرنا يعتبر من أكثر المنتفعين بثورة 14 جانفي حيث لم يسبق في تاريخ وزارة الداخلية أن تمت ترقية إطار امني مكلف بالترجمة الى مدير لمكافحة الجوسسة ثم مباشرة الى منصب المدير العام للمصالح الفنية في أقل من سنة.

عاطف العمراني : تمت ترقيته في أقل من سنة من رئيس مصلحة مختصة بصفاقس لمدة أكثر من 5 سنوات أين عرف بفساده الاخلاقي و المالي حسب ما صرح به المصدر وقد تم استقطابه بعد الثورة من قبل  الطاهر بوبحري الذي تربطه به علاقة قرابة ليتم تعيينه في مناسبة أولى رئيس منطقة باب بحر ثم ترقيته الى منصب مدير الاستعلامات العامة و في أقل من شهر مديرا عاما للمصالح المختصة

تقر المصادر أن الإخفاقات الأمنية تراكمت تحت سياسات و استراتيجيات هذه القيادة التي يعتبرها متواطئة مع حركة النهضة و خاضعة لاملاءاتها مما يفسر حسب رأيه تعدد فضائح التقصير الأمني من أحداث العبدلية و السفارة الأمريكية و قرار عدم إيقاف سيف الله بن حسين بجامع الفتح بدعوى تفادي الاصطدام مع أتباعه، ثم أحداث الرش بسليانة، والاعتداءات المتكررة على الاتحاد العام التونسي للشغل من طرف ميليشيات الحركة على حد تعبير المصدر و غيرها من الأحداث، و هي وضعية سمحت باستباحة دم السياسيين فجاءت الاغتيالات و جاء التستٌر على الاغتيالات رغم سابقية توفٌر معطيات استخباراتية متأكدة لدى هذه القيادة الأمنية المتواطئة التي فضٌلت طمس الحقائق و التدخل في سير الأبحاث للسيطرة على نتائجها، فتم بذلك الحكم على ضرورة إنهاء هذه المرحلة لاسيما مع احتداد الأزمة السياسية و اتُخذ قرار على أعلى مستوى السلطة السياسية بتوجيه من الثنائي وحيد التوجاني و مصطفى بن عمر الذين نسُقا مع السيد الفرجاني عضو مجلس
شورى حركة النهضة للتضحية بمحرز الزواري و خدماته و إبعاده بدعوى الاستجابة لمطلب المعارضة في هذا الخصوص.


يؤكد المصدر أن معظم القواعد الأمنية بعد أن فقدت الثقة في قياداتها المنصٌبة و في قدرتها على إدارة الشأن الأمني في ظل تواصل الأحداث الأليمة و الغير مسبوقة التي تعيشها البلاد، عبٌرت عن رفضها الشديد لمواصلة نفس نهج التعيينات
و إعادة التعويل على من أجرم في حق الأمنيين و الوطن و تطالب بإحداث لجنة تعيين تضم نواب من المجلس التأسيسي
و ممثٌلين عن المجتمع المدني و ممثٌلين عن النقابات و الجمعيات الأمنية الى جانب وجوه سياسية وطنية بارزة من مختلف الحساسيات السياسية قصد انقاذ البلاد و العباد .


تابع القراءة Résumé abuiyad

رسالة للرأي العام حول التحويرات الأخيرة صلب وزارة الداخلية و دعوة السيد لطفي بن جدّو للإستقالة

لقد رحّبنا سابقا بتعيين السيّد لطفي بن جدّو وزيرا للدّاخلية ظنّا منّا أنّ قاضي التحقيق السّابق لدى المحكمة الإبتدائية بالقصرين أيّام الثورة و وكيل الجمهورية السابق بالمدينة و المشهود له سابقا بالنزاهة و الشجاعة الأدبية سيقوم بإصلاحات فعلية صلب المؤسسة الأمنية التي تعتبر نظرا لهيكلية الإدارة التونسية و لرواسب فترة حكم بن علي الوزارة السيادية بإمتياز و مركز السيطرة و التحكم في تونس، لكن سرعان ما لاحظنا معالجة صورية لمكامن الخلل في وزارة الداخلية و تعيين مسؤولين دون الأخذ بعين الإعتبار عاملي الكفاءة و الخبرة بل يبدوا واضحا تغليب منطق الولاء الحزبي في التعيينات الأخيرة.

اليوم و خلال الأيام القليلة الماضية أجرى السيد بن جدّو تحويرات في وزارة الداخلية تناولتها بعض وسائل الإعلام بالتضخيم و المبالغة ممجّدة "إنجاز" السيد لطفي بن جدّو. 
كنّا نتمنّى لو أقدم فعليّا وزير الداخلية على تحويرات جوهرية معيارها المقدرة المهنية و ليس الولاء الحزبي، بل كنّا نتمنّى أن يكون السيد لطفي بن جدّو هو من قام فعلا بالتحويرات لكنّ المعطيات التي بحوزتنا تشير أنّ السيّد علي لعريض لا يزال الفاعل الحقيقي صلب المؤسسة الأمنية.
لقد تمّ تعيين السيد محرز الزواري مديرا عاما للمدرسة العليا لقوات الأمن الداخلي و تمّ تعويضه في خطّة مدير عام للمصالح المختصة بالسيد عاطف العمراني الذي كان يشغل قبل الثورة وبعدها مهمّة رئيس مصلحة الإرشاد في إقليم صفاقس إلى حدود سبتمبر 2012، جدير بالذكر أنّ السيّد العمراني كان حسب شهادات متطابقة يتمتّع بسمعة سيّئة في صفاقس حيث كان متخصّصا في قمع المعارضة الديمقراطية، إثر ذلك تمّ تعيينه رئيسا لمنطقة باب بحر ثمّ مديرا للإستعلامات من طرف السيد الطاهر البوبحري المكلف بمهمة في ديوان وزيري الداخلية علي لعريض و لطفي بن جدّوا ظاهرا إذ يُعتبر السيد البوبحري في الحقيقة وزير الداخلية الفعليّ. من جهة أخرى فقد تمّ إلحاق السيد رياض بلطيف بإدارة التعاون الخارجي و تعيين السيد ياسين التايب مديرا عامّا للتكوين.
يُضاف إلى تعيينات اليوم ما سبق من تحويرات خلال الأيّام الماضية حيث تمّ تعيين السيد سمير العلّاقي مديرا عاما للإدارة المركزية لمقاومة الإرهاب عوض السيد عادل العرفاوي علما أنّ السيد العلّاقي هو صهر السيد الزواري و إبن عمّ زوجته. فضلا عن ذلك فإنّ المدير العام للمصالح المشتركة (الإدارة التي تتحكّم بالمسيرة المهنية للأمنيين) هو السيد حمزة بن عويشة و هو أيضا صهر السيد محرز الزواري يضاف إلى ذلك أنّ المدير العام للأمن العمومي السيد مصطفى بن عمر هو إبن جهة السيد محرز الزواري.
نلاحظ إذا أنّ السيد محرز الزواري بقي مديرا عامّا و أنّه عيّن قبل نقلته أقربائه في مناصب مفصلية صلب وزارة الداخلية ممّا يُشير بأنّ تغيير التشكيلة على رقعة الشطرنج الحالية تمّ من نفس الطرف الذي رتّب بيادقها في الأوّل بطريقة مختلّة أدّت إلى إضعاف الأمن القومي للبلاد. ندعوا ختاما السيد لطفي بن جدّو للإستقالة كي يخرج من منصبه بأخفّ الأضرار و ليحافظ على ما تبقّى من سمعت هو كي يبقى إسمه في أذهان الناس مقترنا جزئيّا بقاضي التحقيق إبن حيّ الزهور في القصرين و الذي تحدّى يوما ما ضبّاط بن علي، كما ندعوا النقابات الأمنية و الرأي العام التونسي للتصدّي إلى محاولات التوظيف السياسي للمؤسسة الأمنية. 

رمزي بالطيبي (صحفي إستقصائي)
الطيب العقيلي (المبادرة من أجل الكشف عن الحقيقة حول إغتيال شكري بلعيد)

تابع القراءة Résumé abuiyad

ضمن سلسلة مقالات"العمليات القذرة"الدكتور صالح كركر

>

بقلم :   ماهر زيد 

لم يرتكب الدكتور  صالح كركررحمه الله الرئيس السابق لحركة النهضة منذ لجوئه إلى فرنسا في صائفة 1987 من الأعمال ما يستدعي وضعه رهن الاقامة الجبرية او أي نوع اخر من انواع العقاب.

لقد ظلّ محترما لأصول الضيافة و ناشطا في المجالين الشخصي و السياسي ضمن أطر القوانين المعمول بها في فرنسا. بل كان جد ايجابي و مطمئنا الى أبعد الحدود بالنسبة للمخابرات الفرنسية التي كان أعوانها يلتقونه من حين الى اخر ليتأكدوا من أنّه لازال وفيا لاصول الضيافة التي تمنع عليه التخطيط او التحريض على أعمال "عدائية" ضد دول اخرى كما يقولون .

و رغم التحريض المستمر الذي ظلت السلطات التونسية تمارسه آنذاك من أجل إسترجاع صالح كركر فإنّ الفرنسيين كانوا على يقين أن الرجل لم يكن يشكل اي خطر على السلم الأهلي او يرتكب أيّا من الاعمال الضارة بالعلاقات الفرنسية الاجنبية.

غير أنه بحلول العام 1993 تغيرت ظروف كثيرة في المستعمرات الفرنسية السابقة المطلّة على على البحر المتوسط . فالجزائر صارت على كفّ عفريت ، ما بين سلطة تبحث عن شرعية بعد تدخل الجيش الذي ألغى نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 1991 و التي فازت فيها الجبهة الاسلامية للانقاذ باكثر من 80 في المئة من الأصوات من جهة و بين تنظيمات اسلامية مسلحة تفرعت عن الجبهة الفائزة في الانتخابات و المنحلة بقرار الجيش .
لقد كانت تقارير استخباراتية عدة تتحدث عن إحكام التنظيمات المسلحة السيطرة على ثلث البلاد نهارا و النصف ليلا .زيادة على ما تكنه هذه التنظيمات من كره و حنق على الدولة الفرنسية جراء تنكرها لمبادئ الديموقراطية و حق الشعوب في تقرير مصيرها و ذلك من خلال دعمها لتدخل الجيش في الحياة السياسية بل و انخراطها لاحقا في المجهود العسكري من اجل سحق التمرد المسلح الرامي الى استرجاع الحكم الذي افتكه الجيش.

أما في تونس التي كانت اكثر استقرارا بكثير من الجزائر فإن الصراع بين السلطة و حركة النهضة أفرز احتقانا كبيرا أنذر بتحول الصراع من سياسي الى عنيف من اجل الحكم.

و في خضم هذه الأجواء المشحونة إقليميا و التي لا أفق لها ، بدأت أجنحة داخل الأجهزة الإستخباراتية للدول المعنية بالجنوح الى الى خيار التكتيكات القذرة من اجل الإسراع بإنهاء التهديد الذي تشكله المعارضات للانظمة القاءمة.

و بتأكد السلطات التونسية من استحالة استرجاع صالح كركر او غيره من المعارضين و إحساس الاجهزة الامنية و القضائية بالفشل و الخيبة نظرا لفشلها في إقناع الجانب الفرنسي بطرد اللاجئين السياسيين من اراضيها، صارت القناعة متأكدة خصوصا لدى جهاز امن الدولة بضرورة فعل اي شيء من اجل تحقيق أي مكسب كان.

عز الدين جنيح مدير امن الدولة انذاك و العقول المحيطة به اهتدت الى خيط يوصلها الى دائرة العلاقات الشخصية الضيقة لصالح كركر.

انه شاب ابن السادسة و العشرين عاما من المتفوقين دراسيا و ممن انخرط منذ صغره في انشطة احزاب اسلامية المرجعية.غير ان ما يميزه عن غيره ليس فقط معرفته لصالح كركر و فوزه بحضوة لديه ، فآخرون ايضا كانوا يحضون بثقته .لكن هذا الشاب كان بالاساس ابن زميل لهم.

فقد توفق هذا الاب في اقناع ابنه بضرورة العودة الى تونس لمواجهة بعض الاسئلة ثم يطلق سراحه عوض ان توجه له تهمة التآمر على أمن الدولة نظرا لعلاقته بصالح كركر و يحرم بناء على ذلك من العودة الى ارض الوطن.و نجح الجهد في اقناع الشاب بالعودة الى تونس أواخر شهر جويلية من تلك السنة (1993) ليجد نفسه أخيرا على أريكة فخمة في مواجهة كاميرا.

لقد تم تلقينه بحضور والده ما يتوجب عليه "الإعتراف" به بلسان فرنسي.

لم تكن "اعترافاته" و ظهوره امام الكاميرا لغاية قضائية. لقد كانت وجهة الشريط قصر الإليزيه و قد حضر وزير الداخلية الفرنسي شارل باسكوا بنفسه ليتسلمه.

لقد تضمن الشريط "اعترافات" بأن الدكتور صالح كركر قد أوعز الى هذا الشاب رفقة آخرين مهاجمة مؤتمر الحزب الحاكم المزمع عقده يوم 29 جويلية 1993 سيارة مفخخة. كما طلب منه الاستعداد لمهاجمة الجالية اليهودية التونسية و اغتيال الوزير محمد الشرفي و القائد النقابي اسماعيل السحباني . كما تضمنت "توصيات" صالح كركر جمع معلومات عن الوفود السياحية قصد مهاجمتها.

إستلم شارل باسكوا الشريط و طار به على جناح السرعة الى الإليزيه ليقنع حكومته بضرورة ترحيل المعارض التونسي لمخالفته أصول الضيافة و قوانين اللجوء بتخطيطه لمهاجمة دولة اخرى انطلاقا من الاراضي الفرنسية .و عندما لم تبد أية دولة رغبتها في استضافته قررت السلطات الفرنسية وضعه تحت الإقامة الجبرية و الحراسة المشددة معتبرة إياه "خطرا على الامن".

استمر احتجاز كركر ما يقارب 18 سنة كاملة انتهت بوفاته بعدما عانى سنوات طويلة من الغربة و الوحدة و المرض.

و هنا لابد من الوقوف وقفة تامل عابرة سامحين لانفسنا افتراض عدم انصياع فرنسا لابتزاز المخابرات التونسية و إخضاعها صالح كركر للاقامة الجبرية.ألم يكن واردا بل منتظرا ان يقدم جهاز امن الدولة على تنفيذ اجزاء من هذه "التهديدات" كقتل اليهود التونسيين او تفجير سيارات مفخخة في اماكن عامة من اجل اقناع فرنسا بخطورة كركر و جرجرتها الى تحييده عن ساحة الفعل السياسي ؟

اما اليوم و بعد نجاح الثورة التونسية في اجبار الرئيس المخلوع على الفرار و حل جهاز امن الدولة و وصول ذلك الشاب ابن الاطار الامني الى اعلى سلم المسؤولية في أول حكومة منتخبة بعد الثورة ، يستمر التعتيم و الإنكار للمكيدة التي دبرت بليل في مقر وزارة الداخلية صائفة 1993.

اليوم مع دخول الاغتيالات و التفجيرات و الذّبح قاموس المفردات السياسية بقوة ،و مع عجز السلطات عن تحديد هوية المدبّرين و المخطّطين لاغلب هاته الجرائم ، بات ضروريا أكثر من أي وقت مضى الاقدام على فتح ارشيف البوليس السياسي و عرض اساليب و تكتيكات هذا الجهاز على الباحثين و الدارسين و خصوصا الأجهزة الامنية العاملة لمساعدتها في فك شيفرة الجرائم السياسية المسجّلة ضدّ مجهول.

و لا شك ان احتجاج وزراء الداخلية المتعاقبين كون هذا الأرشيف يحتوي إساءة للافراد و الاعراض و لن يتم فتحه يرتكز في جزء كبير إلى المنطق .
غير ان تواتر الجرائم السياسية و بشاعة ملامحها و عجز السلطات عن تحديد هوية مخططيها، يجعل الإستفادة من هذا الارشيف أمرا حيويا لا مفر منه .
تابع القراءة Résumé abuiyad


جميع الحقوق محفوظة ©2016